ابو القاسم عبد الكريم القشيري
586
لطائف الإشارات
تجرّد قولهم عن التّذكّر والفهم والعلم وتنبيها على أن القول - وإن كان في نفسه صدقا - فلم تكن فيه غنية ؛ إذ لم يصدر عن علم ويقين . ثم نبّههم على كمال قدرته ، وأنّ القدرة القديمة إذا تعلّقت بمقدور له ضدّ تعلّقت بضدّه ، ويتعلق بمثل متعلقه . والعجب من اعترافهم بكمال أوصاف جلاله ، ثم تجويزهم عبادة الأصنام التي هي جمادات لا تحيا ، ولا تضرّ ولا تنفع . ويقال أولا قال : « أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » ، ثم قال بعده : « أَ فَلا تَتَّقُونَ » ، فقدّم التذكر على التقوى ؛ لأنهم بتذكرهم يصلون إلى المغفرة ، ثم بعد أن يعرفوه فإنهم يجب عليهم اتقاء مخالفته . ثم بعد ذلك قال : « فَأَنَّى تُسْحَرُونَ » ؛ أي بعد وضوح الحجة فأىّ شكّ بقي حتى تنسبوه إلى السّحر ؟ قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 90 ] بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) بيّن أنهم أصرّوا على جحودهم ، وأقاموا على عتوّهم ونبوّهم ، وبعد أن أزيحت العلل فلات حين عذر ، وليس لتجويز المساهلة موجب بتا . قوله جل ذكره : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 91 إلى 92 ] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) اتخاذ الأولاد لا يصحّ كاتخاذ الشريك ، والأمران جميعا داخلان في حدّ الاستحالة ، لأن الولد أو الشريك يوجب المساواة في القدر ، والصمدية تتقدّس عن جواز أن يكون له مثل أو جنس . قوله جل ذكره : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ